قصة اليتيم من كتاب العبرات لمصطفى المنفلوطى- قصة قصيرة

 

قصة اليتيم من كتاب العبرات لمصطفى المنفلوطى


يدخل بنا الراوى إلى القصة وهو ينظر إلى شاب جالس على مقعده منكب على دفتره شاحب الوجه وكأنه يحمل هموم الدنيا وأوزارها على ظهره وبعد بعض الوقت يقول لنا الراوى أنه غفى على دفتره لبعض الوقت وعندما أعتدل مرة آخرى كانت عيناه حمراوتين مليئةً بالدموع. وتم محو بعض السطور من دفتره بسبب دموعه المتساقطة دائما فى الأيام التالية كان يراه باكيًا وعندما يتعب من الجلوس فى مكانه كما عهده كان يسقط على مضجعه ويأن من الوجع وكان بداخل الراوى رغبة نبيلة بأن يذهب إليه ويحاوره ويعلم ما أهمه ويحاول أن يخفف عليه وفى اليوم التالى سمعه يأن أنين خافت 

موجوع فقرر أن يذهب إليه لعله مريض وبالفعل ذهب إليه هو وخادمه وفى يده مصباح لأن البيت كان مظلمًا كظلام الليل ودخل عليه وتعجب منهم ولكن طمأنه الراوى وعلم أن عنده الحمى وجلب له شرابًا للحمى وشربه وسأله منذ متى وهو على حالته تلك وطلب منه أن يجلب له طبيبًا ولكنه قال له " الطبيب يأتى لمن يأثر الحياة " إنه حقًا زاهدًا فيها ويريد أن يذهب فى أقرب وقت ولكن لم يأبه بكلامه وجلب الطيب وجاء متأففًا من طلبه له فى وقت متأخر من الليل ولكن الراوى لم يأبه بإعتراضه كان يعرف كيف يراضيه 


كتب الطبيب الروشتة وذهب وظل الراوى جالسًا بجوار المريض إلى أن استيقظ وسأله الراوى من أنت وهل أنت من القرية أم غريب وقال له هل تأخذنى صديقًا لك وتحكى لى ما بك وافقه على ذلك وبدأ يحكى أنه يتيم توفى والديه وأخذه بعد ذلك عمه وكان يحبه عمه حبًا شديدًا ويقول أنه كان أقرب الأشخاص إلى قلب عمه بعد أبنته وكأنه كان يريد لها أخً لكي لا تكون وحيدة وأحبها حبًا شديدًا فلم يتركوا بعضهم البعض أبدًا 


فلقد أحب أبنه عمه حبًا جما ولكنه لم يستطع البوح بذلك ويشعر بالحيرة من أمره ويتسأل هل كان حبًا حقا أم إيخائًا ويقلل من قدره بمقوله هل كانوا سيقبولون بشاب بائس فقير مثلى. ومات عمه بعد أن أشتد عليه المرض. ووصى زوجته عليه، وقبل نهاية الحداد تحولت الوجوه ولأول مرة يشعر وكأنه غريب فى هذا البيت. طلبت زوجه عمه من خادمه المنزل أن تبلغه بأنها قررت تزويج أبنتها وجعلهما يسكنان فى الجناح الذى يسكن فيه هذه الفتى المسكين ومن الغريب أن يراه خطيب أبنتها وهو بجوارها بعد أن أصبحوا فى هذا العمر،.


قد كان كل ما أسعد به في هذه الحياة أن اعيش بجانب ذلك الانسان الذي احببته وأحببت نفسي من أجله ،وقد حيل بيني وبينه ،فلا آسف على شيء بعده

مصطفي المنفلوطي 

 

 احضر حقيبته وجمع كتبه وألقى نظرة خاطفة على ابنه عمه وهى نائمة ثم تسلل إلى الخارج. 


لعمركَ ما فارقتُ بغدادَ عن قلى

لو انَّا وجدنا من فراقٍ لها بُدَّا

كفى حزنًا أن رحتُ لم أستطع لها

وداعًا، ولم أحدث بساكنها عهدَا

مصطفى المنفلوطي 


ظل يتنقل من هنا إلى هناك بدون أي راحة إلا أن وجد هذا المكان الذى شعر فيه بالسكينة. وكان قد اقترب موعد الدراسة فكان يذهب إلى المدرسة ويعود إلى غرفته المظلمة ويستعين على ذكرياته ببعض قطرات الدمع التى يسكبها فى خلوته وكان يجد راحته بذلك. أوشكت أمواله على الانتهاء وتأخر دفع أقساط المدرسة ويصف العلم فى هذه الأمة يرتزق منه المرتزقون، ذهب لبيع كتبه ولكن لم تأتى بربع ثمنها فعاد إلى البيت حزينًا مهمومًا وفى أثناء عودته وجد خادمه بيت عمه تسأل عليه وعدما دخلت معه إلى غرفته قالت له أنها كانت تبحث عنه منذ ثلاث أيام وبكت بكائًا شديدًا فخاف فى نفسه أن يكون أصاب من يحبه بأس.


أخرجت له ورقة متكوب فيها "عندما ذهبت دون أن تودعنى غفرت لك ولكن لن أغفر لك إن لم تأتى وتودعنى وأنا على باب القبر " وهم بالنهوض ولكن أوقفته وقالت له "لا تفعل يا سيدى لقد سبقك القضاء إليها" وأغمى عليه ولم يدرى بنفسه وذهب النهار ودخل عليه الليل ليستيقظ ويجد الخادمة لازالت تبكى فاقترب منها وقال لها " قصى على كل شى" قالت له أن ابنه عمه سألتها على سبب رحيلك فقصت عليها رسالة زوجة عمه ومنذ هذه اللحظة لم تتحدث عنه بخير أو شر وذهب الهم من قلبهل إلى جسدها وسريعًا أصبحت طريحة الفراش.

بعثت أبنه عمه إلى خادمتها فى الليل لتسألها عن مكان ابن عمها ثم طلبت منها أن تحمل له رسالة لا يعلم عنها أحد وخرجت تبحث عنه فى كل مكان وقبل أن تجده علمت بقضاء أجلها.

كانت أمنياتها الوحيدة فى الحياة هى أن تراه ولكنها توفيت قبل أن تحققها.

وانصرفت وظل هو غارق فى همه إلى أن دخل عليه الراوى والأن هو جالس يتمتم ببعض الكلمات:

اللهم إنك تعلم أنى غريب فى هذة الدنيا ، لا سند لى فيها و لا عضد ، و أنى فقير لا أملك من متاع الحياة ما أعود به على نفسى ، و أنى عاجز مستضعف لا أعرف السبيل إلى باب من أبواب الرزق بوجه و لا حيلة ، و ان الضربة التى اصابت قلبى قد سحقته سحقا فلم يبق فيه حتى الذماء ، و إنى أستحى منك أن أمد يدي إلى هذة النفس التى أودعتها بيدك بين جنبى فأنتزعها من مكانها ، فتول أنت أمرها بيدك ، و استرد وديعتك إليك ، و انقلها إلى دار كرامتك ، فنعم الدار دارك ، و نعم الجوار جوارك

 مصطفي المنفلوطي

قام الراوى بتنفيذ وصيته الأخيرة وهى دفنه بجوار ابنه عمه ودفن الرسالة التى طلبت منه فيها أن يوافيها بجوارهما " فعجز أن يلبي نداءها حياً فلباه ميتاً" 

إرسال تعليق

أحدث أقدم